محمد الغزالي
223
خلق المسلم
فعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول اللّه قسوة قلبه ، فقال : « امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين » « 1 » . وفي رواية : أن رجلا جاءه يشكو قسوة قلبه فقال له : « أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم ، وامسح رأسه ، وأطعمه من طعامك ، يلن قلبك وتدرك حاجتك » « 2 » . وذلك أن القلب يتبلد في المجتمعات التي تضج بالمرح الدائم ، والتي تصبح وتمسي وهي لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة ، ونعمها الباهرة ، والمترفون إنما يتنكرون لآلام الجماهير ، لأن الملذات التي تيسر لهم تغلف أفئدتهم ، وتطمس بصائرهم ، فلا تجعلهم يشعرون بحاجة المحتاج وألم المتألم وحزن المحزون ، والناس إنما يرزقون الأفئدة النبيلة والمشاعر المرهفة عندما يتقلبون في أحوال الحياة المختلفة ويبلون مس السراء والضراء . . عندئذ يحسون بالوحشة مع اليتيم ، وبالفقدان مع الثكلى ، وبالتعب مع البائس الفقير . وتجمل الرحمة مع المرضى وذوي العاهات ، فإن أولئك المصابين يستقبلون الحياة بوسائل منقوصة تعجزهم عن المسير فيها وإدراك لبانتهم منها ، وقد عذرهم اللّه عزّ وجلّ فلا يجوز أن نؤاخذهم بما أعفاهم اللّه منه . لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً « 3 » . والمريض شخص قيدته العلة ونغصه حر الداء ومر الدواء . وهو في صبره على أوجاعه قريب من اللّه حقيق برحمته . وإذا كان مس الشوكة يكفر من سيئات المؤمن ، فما بالك بمن برحت به الأوصاب وأذاقته أشد العذاب ؟ إن ذلك يجعله بعين اللّه ! ولذلك يجب أن نحاذر من الإساءة إلى المرضى ، والاستهانة براحتهم ، فإن القسوة معهم جرم غليظ . * * *
--> ( 1 ) أحمد . ( 2 ) الطبراني . ( 3 ) الفتح : 17 .